ونحن اطفال، على مقاعد الفصل الدراسي، عمدت مقررات
التاريخ ان تقدم لنا القائد البربري
« كسيلة» في صورة الغدار الجبان
الذي قتل .الفاتح عقبة بن نافع، وتوارى بفعلته بين الجبال، كاللص الجبان وكأن
المسألة في الاصل لم تكن تتعلق بحرب بين قائدين، أحدهما كان يهدف تصدير
الاسلام المستمر والاخر كان يدافع عن ارضه وعرضه ولم يكن من بين هواجسه
اشكالية التدين لأن هذه الارض التي يحيى فوقها كانت منذ الازل البعيد ارضا
احتضنت كل الديانات من الوثنية المحلية وآلهة قرطاج الى الديانات السماوية.
ربما أن كسيلة لم يكن يدرك معنى
للغزو بالدين والعنف ففي القبيلة البربرية التي كان يتزعمها والمعروفة بال «Aurebas»
كانت الوثنية والديانات الفردية والجماعية تتعايش في سلام وفي جو من
التسامح.جعله يعجز عن هضم واستيعاب اشكالية الفتح كمفهوم ديني واستعماري في
نفس الوقت.
استعماري لماذا؟
فكتب التاريخ تحدثنا بأن زمن
الفتح الاسلامي، بكل ما يعنيه، توقف عند الخلفاء الراشدين وتحول مع ملوك بني
أمية إلى غزو من أجل توسيع حدود امبراطورية العرب وجلب مداخيل اضافية
للخزينة.
والمعركة التي دارت بين هذين
القائدين تزامنت مع فترة تميزت بالصراع على الخلافة في دمشق بين الامراء
الامويين، ومع ذلك فالملك البربري لم يكن وثنيا أو ماجوسيا بل كان من
المؤمنين باحدى الديانات السماوية.
ما يعني أنه لم يكن في الامر
جاهلية أو غدر ولكن كان دفاعا شرسا عن أرض وقيم واعتزازا بالنفس.
بعد أن بنى عقبة القيروان، وقد
جعل العرب الفاتحون منها قاعدة خلفية للتوغل فيما تبقى من شمال افريقيا، في
هذا الوقت كانت شهرة كسيلة زعيم قبيلة «Aurebas»
البربرية قد سبقته على اعتباره الوحيد الذي بامكانه صد العرب واجلاءهم عن
المنطقة المغاربية لكن عقبة الذي كان يزحف بجيشه تمكن من أسر كسيلة في نواحي
تلمسان وبعد ان كبله صار يجد لذة في الاستهزاء به أمام قومه - لأن الاسير
كان يتحدث لغة لا يفهمها - وهو يجره خلفه مكبلا وراجلا.الى ان تمكن كسيلة بعد
مغافلة الحراس من الاختفاء عن الانظار عائدا الى وطنه وهناك جمع جيشه وتحالف
مع اليونانيين، لكن عوض أن يهاجم عقبة تركه يتوغل باتجاه الغرب واكتفى
بمراقبته حتى بعد ان ان قفل راجعا الى القيروان.
في الوقت الذي كان فيه قادة جيشه
يلحون عليه كي يبادر بالهجوم.
أجابهم «لما العجلة، كل يوم جديد
يتعزز جيشنا بمتطوعين جدد.
واني سأتعقبهم ولن أهاجمهم الا
عند حدود القيروان بعد ان يعودوا متقلين بكل الأسلاب التي غنموها في
رحلتهم.
وبدت خطة كسيلة محكمة ما يفيدنا
لاحقا بان هذا القائد كان رجل استراتيجيات حربية بامتياز، وبالفعل تمكن من
قتل عقبة والقضاء على جيشه، وتحققت نبوءة عمر بن العاص الذي قال لعقبة بن
نافع.
«أنت من الذين سيدخلون الجنة على ظهور جيادهم وبكامل
سلاحهم».