بعد موتك، بعد أن ينطفئ البريق
الذي لازم عينيك مذ أعلنت على العالم صرختك الأولى هل يكون موتك صرخة ميلاد
جديدة؟ هل ينمحي كل هذا الكون، كأنه لم يوجد أصلا وكأنك لم توجد أبدا؟ أم
ستظل هناك مساحة للحلم والذكرى؟ ربما يتوجب عليك الاعتقاد بالغيب، بحقيقة
وبداية الحياة مباشرة بعد الموت تغادر برهبتك كما يركع المومنون أم بيقينك
˜كما يموت الميتون إلى الأبد وإلى الأبد
هل ستشعر بحزن الفراق، بوحشة
الوحدة، ببرودة البياض الذي سوف يلفك؟
ترى هل تتبقى بالقلب ثمالة من
الحب، بصيص من الحنين بعد موتك؟ هل يعزيك هذا الموت الذي سيغزوك عن كل الحزن
الذي حاصرك وترصد خطواتك ولم تستطع الخلاص منه فعشت لأجله هل يعوضك عن كل ما
حلمت به، عشقته، قدسته ولم تجد له طيفا أو عبر يوما من جوارك، كان سرابا، أو
ماء مالحا أتصير لك القدرة، على استنشاق رائحة الرحم التي أنجبتك وأريج الأرض
التي أوجدتك، للمرة الأولى من جديد هل يعزيك موتك، عن كل الذين ضاعوا في
الطريق إليه وفي الزحام، إذا بقيت وحدك دون الملامح التي قاسمتها وقاسمتك
ضيعتها أو ضيعتك ثم افتقدت حتى رموزها والأسماء أيهما الخدعة الحياة أم
الموت؟
أنت لا شك تعرف أن يوم موتك سيكون
كسائر الأيام العادية، تكون وقد لفك بياض وسرت رعشة بيضاء تحت جلدك، سكر
الغيبوبة اللذيذ يسري في أوصالك، تستعيد شريط ذكرياتك للمرة الأخيرة هل سترى
ألوانا لم ترها قط من قبل ؟ هل ستسمع أصواتا ليس لك بها عهد؟ آذان على صوامع
يرفع؟ أجراس كنائس تقرع أم ستجد عند أول منعطف صوت اليهودي يتلو فقرات من
تلموده أو تجد الإسرائيلي مدججا بحقده وحديده إن البقر تشابه علينا وتشابهت
المتناقضات هل تتشابه العلامات والرموز عليك؟
هل ستجد تمثال الحرية بجوار غولاك سيبريا أم مستنقعات فيتنام أم من أسرجوا
تناسخ أرواحهم وانتصروا لن تجد سوى بترول وهزيمة الإنسان العربي عن علم الصفر
وتكنولوجيا الرمال والجمال وهو الرمل مجال وعند الرمل، تتبدد الأجسام، تتفتت
الأشياء، تتعفن الأحلام وهذا الموت، كيف يستحضر صور كل الغائبين، يستنطق
شواهد القبور ويزيح الماضي عن نومته الهادئة؟؟