برعت اللغة في إكساب الأشياء أسماء، خوفا من أن تضيع الأشياء معانيها، وبعد
أن سمت اللغة كل شيء، بدأت تطرح الأسئلة حول ماضي وماهيات الأشياء الإنسان
في بداياته لم يكن بصره ليمتد أكثر مما يستطيع ولا يفكر إلا بما تدركه عيناه
وتلمسه يداه ولكن رهافة سمعه، وحاسة الشم عنده كانتا لغته الوحيدة بعد حاسة
استشعار الخطر عن بعد الإنسان البدائي لم يكن يستطيع تحديد الأبعاد أو إدراك
ماهية المستقبل البعيد لكنه كان مقتنعا أن في داخله كامنة كل الأشياء كان
يعرف أنه هو الزمان والمكان والأشياء وصاحبه عدوه الوحيد ذاك الذي لا يراه
الخوف ذاك الذي يمارس سلطته عليه ولا يستطيع أن يقبض به الخوف بكل معانيه
كان أقدم اللغات في ذاكرة الإنسان الخوف ولد الحذر والسؤال حول الماهيات
اكتشف النار وصهر الحديد، بنى وهدم الحضارات الخوف وحَّد في الحب جسدين
مختلفين بحثا عن الدفء أو الحماية الخوف نفسه رفع بعضا وسحق بعضا وهو مؤسس
الطبقات والخوف مقامات أسفلها الخوف الجبان وأرقاها ذاك الذي يقاوم نفسه
الخوف الرهيب أغلب الظن أن الخوف عند البدائي كان أول محفز للطاقة الجهنمية
في العقل البشري الخوف كان مصدر سؤال ومعرفة وسفر في الأوضاع وفي الزمان وفي
اللغة والحب نفسه كالشر والخير ليست سوى مشتقات للخوف، كرغبة للاحتماء
والدفء، كرغبة في اختلاط الأجساد من أجل جسد واحد أقوى وأكمل من أجل
المستقبل والحياة الإشارات التي أرسلها الإنسان البدائي من ملايين السنين
تصلنا يوميا، نعيشها وتمارس الحياة فينا دوريا لعل المظاهر المحيطة بنا
وركام الماضي هو فقط ما يجعلنا نختلف أيها الخوف يا مهندس الحضارات وواضع
الشرائع والقوانين والعادات أيها الخوف المسافر منذ زمن الكهوف إلينا لا زال
أمامك الطريق طويلا فاحمل إشاراتنا معك إلى كل هذه الأزمان القادمة لنرى من
ضفة الماضي معجزاتك.