حـديـث القـهـــر

 

الحديث عن الحمار ليس مادة رديئة للكتابة، على اعتباره محصلة تاريخ من العنف ليست هناك مواد رديئة، هناك كتابات رديئة للحديث عن الحمار أشياء تذكرنا بالاستغلال وببعض معيشنا اليومي قدره أن يجلد طول النهار، في الطرقات يرهق، ينهك، ويستنزف حد القهر، ولا يعرف صوتا للاحتجاج، بل يرمى إلى المجازر إن لم يعد بمستطاعه الكد مقابل وجبته، يصير وجبة لأفواه أخرى قد يكون من بينها نوع من بعض البشر  هل يستقيم الحديث عن الحمار الغبي البطيء في حلبة التكنولوجيا بخطواتها المتسارعة؟ كيف سيفهم الحديث عن هذا الكادح القديم وهو المسافر مليون سنة برفقة الإنسان عبر سطح الكوكب  لعله سيبدو لغوا أو كلاما في الهواء، بل ربما صفاقة أو نقصا في اللباقة  ألم يكن لهذا المخلوق البئيس مساهمة كبيرة في ما وصلنا إليه؟ ولكن باسم هذه العلاقة القديمة سنعطي للحمار الكلمة لكن شرط أن يتحدث عن شخ واحدة فيصيرلذة التمرغ ونهيق المعاناة، ودون لغو عن المبادئ ومنتهياتها أو تشريح لمفاهيم الديمقراطية  ينحدر الحمار حسب بعض العلماء من فصيلة مشتركة مع آكل النمل ووحيد القرن، هذه الفصيلة التي عمرت الأرض، منذ خمس وخمسين مليون سنة، لكن الحمار كان الوحيد بينها الذي التصقت به صفة الغباء، وذلك لالتصاقه بالإنسان منذ العصور المظلمة من التاريخ، على العكس من ذلك يذهب العلماء إلى أن الحمار يتميز بذكاء ورهافة إحساس، فهو يعي الأوامر ويطبقها بإخلاص، لكنه يفتقر لملكة التحليل والاستنتاج  إلى عهد قريب كانت المؤسسات التربوية الفرنسية تعتمد كبعض أقسى العقوبات تعليق أذني الحمار فوق رؤوس التلاميذ الكسالى كدلالة على الغباء  أما في المجتمعات البوذية التي تقدس الأرواح، فيرون في كبر الأذنين علامة دالة على الحكمة، وأما عند الإنجليز الذين لا يهمهم ما يدور خارج ما هو أنجلو سكسوني فيعمدون إلى قطع آذان الحمار ليجنبوها سماع الخطابات أو المعلومات التي لا تفيد في شيء  حتى اليهود في عبريتهم التي تعد من أقدم اللغات على الأرض، فإن كلمة �حمار? تكتب بنفس الأحرف التي تكتب بها كلمة �مادة?، كيف لا وهذا المخلوق ظل ومنذ عصور التاريخ المظلمة مصدرا لخلق الثروة ومن وسائل الإنتاج الأساسية  أما حميرنا فهي مثلنا بألف خير، تتمتع بقسوة وعنف اغتراب عملها  بينما تنعم حمير أوروبا بتقاعد مريح في ضيعات شاسعة دون أن يعكر الاستغلال أو السوط صفو مرحها، وكيف لا وجمعيات تتبنى قضايا الدفاع عنها، ذهب بعضها إلى تسمية نفسها ب �جمعيات أصدقاء الحمار?، على غرار �جمعيات أعداء المهاجر المغاربي!     لقد كان لأحد الأعراب حمار لا يفارقه في حله وترحاله، لكنه لم يكن يركبه، فضحك منه قومه قائلين ما جدوى وجود هذا الحمار إلى جانبك إذا كنت لا تمتطيه  فرد عليهم �أخاف إن أنا ركبته أن يظن بي السوء، وأني لم أعد قادرا على المشي فيكرهني?  هذا مجرد استثناء لا يمكنه بأي حال أن يحول سيرورة القاعدة في التعامل مع هذا المخلوق الذي يحمل ذاكرة مفعمة بركام من القسوة والقهر والاحتقار  وفي هذا الصدد تحكي الأسطورة اليونانية  أن الحمير يوما تبرمت بما تتحمله من مشاق وعناء وقسوة وسوء معاملة من طرف الإنسان فأرسلت  ناطقا باسمها عند زيوس ملك آلهة الإغريق  فسألته �متى يتسنى لنا الانعتاق من كل هذه الحكرة؟ فأجابها يوم يكون في مقدورك أن تتجمعي بكامل عدد أبناء جنسك وتتبولي دفعة واحدة فيصير نهرا؟