لم يؤسس الله الحياة على الأرض ويؤثثها إلا ليستخلف
الإنسان فيها. والإنسان هذا كتلة شعورية عاقلة، لكنها غير متجانسة، تحتمل
الصواب كما الخطأ وتحتمل الاستقامة كما تحتمل الزيغ والانحراف ولأن الله أنتج
إبداعا اقل منه كمالا وروعة، جمله بصورة من إبداع صلصالي، علمه كل الأسماء
ونفخ من روحه فيه، وجعل فيه بذرة الخطيئة، أسكنه الجنة وأمره أن تمتع ولا
تستسلم ولأن الحياة صارت رتيبة وبطيئة على هذا الصنع الذي كرمه صانعه، بدأت
تفقد معناها على بعد مدة قصيرة من الخلق وظل خلق الله أقل منه اكتمالا
ونسبيا، وليس من قوانين الجدلية أن نودي بأنثى لكل مخلوق من أجل اكتمال
المعادلة، ونودي لآدم بحواء كي يعرف الحكمة ويعرف الحب كي يصير ضالعا في
الحزن حتى الثمالة وأن يتربع سلطانا على صهوة السعادة ماسكا بناصية النشوة
أهدى الرب الجليل آدم كل تناقضاته إذ مكنه من الانشطار نصفين ولأن آدم لم يكن
بمقدوره أن يتدفأ بظل أمه، كان لحواء قدرة على أن تملك عليه آفاق كل حواسه،
كل مسام جلده انشطر آدم، لتكون محاولاته اليائسة قصد إعادة الوحدة، قدره
المحتوم ويصير الانشطار مصيره الوحيد ولأن إبداع الخالق ظل أقل منه اكتمالا،
زينه بالازدواجية وسماه الإنسان ذكرا وأنثى، أسلافنا الأوليون والكونيون. لأن
حواء خشيت يوما أن تضيق الجنة عن أبنائها وأحفادهم، قرر الإنسان معرفة ماهية
الغلط هل كانت تكفي شجرة؟ هل كانت ثمرة كافية كي تدور هذه الأرض بكل هذا
الجمال وكل هذا الآدم بكل هذه الجراح والآلام؟ بعضهم عاشق وجلهم عدو لبعض
يتوحدون ويكدحون جنبا إلى جنب من أجل الحياة، من أجل ترويض قوى الطبيعة من
أجل أبنائهم بغية الخلود، الذكر كما الأنثى معادلة العليم الصعبة هل كانت
تفاحة واحدة كافية ليصر الرجل في بردة ثقافته الشرقية على اعتبار امرأته
متاعه وحريتها بضاعته؟ هل تكفي خطيئة أولى لتدفع المرأة عندنا ثمنها، ليكون
كل شيء لدينا رجوليا؟ ربما لأن الإنسان أقل اكتمالا من الخالق الذي لو شاء ما
جعل الحياة تدور على محورين.